الخميس، 30 يونيو 2016

نشفت عصارة أرضنا ..




هو عنوان أردت به قصدا سوف يدرك لمن تابع محور موضوعي .. و الأقدار التي بتنا نرمي بها على غيرنا هكذا بسبب أو بغيره فليس ما نراه جميل بواقعنا نعيده إلى أقدار ليست بأيدينا ..و الواقع أن التناسب قد يكون حاضرا و مترابطا مع ظروف عشنها و لكن هذه الظروف عاشها آخرون مثلنا فقرا و بؤسا .. و هم لا يملكون ثروات بحجم ثرواتنا و لكن يملكون ما هو أثمن من كل خيرات الأرض كلها .. فلم َ كان حظهم في النهوض و مصارعة مخلفات كنا نتقاسمها جنسا و عملا .. و كان حظنا أننا بقينا على حالنا لا نرفع بناء و لا نغرس شجرا و نشيد فخرا و مجدا يكون له نفعا علينا.. و البؤس و الفقر و كل بوائق الهموم و الأحزان لا منبت لها إلا بأرضنا .. فهل صحيح أننا كنا ليوم أصحاب مجد و حضارة عزا أشاده من سبقنا و نحن لم نتبعهم فيما حذا بهم إلى قمم و سؤددا. ..
أم أننا كنا موالي أتوا بنا من صيد بحور و اختطاف و قرصنة فبتنا مقطوعي الوصل لا ندري ما بنا فأصولنا لا تمت لهؤلاء بشيء .. ومنها تركنا أنفسنا نعيش عيش الهوام لأن استعبادنا لم يقدم لنا شيئا فقد رضينا بالبؤس و رضي هو عنا ..
و لكن لننظر إلى ماض قريب وقد انصهر الجميع بمجتمع يقال عنه مجتمع التآخي و نبذ الفوارق و الاستعلاء .. فهل حصل لهذا المجتمع تمزق داخلي لا تظهر بلواه لنا أم أننا أحسسنا ما جني علينا ..و لكن قلنا و القول عائد علينا نحن هجين شعوب خضعت لقوانين فرضها محاربون جادون و زعماء حملة رسالة السماء فأعطوا ما بهم من فضول لنا . و اندسسنا تحت غطائهم و كأننا منهم و لكن لما أتى الزمن بأقداره العصيبة انتفضنا فرمينا بما كان مناعة و حواجز و أسوار تحمينا و انكشف الغطاء و سقط من سقط في أغوار كان يعتقد بأنها الناجية له و المحررة من غبن صغار غرّ قادوا الأمة إلى أسفلها ..
و قد نأخذ بهذا الدرب و لنقارنه بمعمرين أتوا من بلدان غير بلدانهم فأعطوا لأرض نزلوا بها زهاء و رخاء .. فعاشوا عيشة الكرماء .. و لم يكونوا ينظرون إلى تواجدهم بأن به اختطاف و استيلاء و الأرض كانت شاسعة مهملة من أبنائها .. و هذا حق لسنا له ناكرين فالمعمر الايطالي و الهولندي و الاسباني و غيرهم من أجناس أرض الفتوحات كما يسمونها هم لأنها فتحت عليهم بعيش رغد و هناء مقنع شادوا بها ما هم بحاجة له فمدوا الطرقات و أقاموا القرى و المدن و زرعوا الأرض خيرات فأصبحت هراء العالم فلا شيء تطلبه إلا و تجده .. فهل شحت عليهم هذه بمواردها .. أم أنها ضحكت و ظهر بشرى سرورها بهم فغيرت بهم طبائع و أشكال كانت لاصقة بهم .. و قد راحوا يبذرون بها بذور الحياة..
و نحن ما الذي حدث لنا و ارض الله لنا بها ما بالأراضي الأخرى إن لم تكن أزخر منها فهل نشفت عصارتها لتعطي غلالا لنا .. و الواقع أن أساس الموجود موجود بها و ما بقي هو تحريك ترابها .. و نحن تراب منها لمن يعرف ..و عصارة لها .. و ما يجعلها جدبا هم من بها .. فليس هناك شيء يجزى إلا بخالص عمل و جد ..
و نحن على تشرذمنا و جهلنا لم نعطي لأنفسنا حقها في الحياة بجد أدركوه و عمل عبدوه و حرية تفننوا في إدماجها بعقول أبنائهم حتى لا يعيشوا تحت استعباد و استبداد بعد أن عرفوا بأن مهالك الوجود تكمن في حريات مستبدة فقيدوها بقوانين لحماية أجيال غدهم .. و هذا من عصارة ارض لم تشح عليهم بخيرات عرفوا كيف يتقاسموها و يخلقوا لها واقعها و وظفوها لتعيش بينهم و بهم.. و نحن ما جناية فعلتنا تمردنا على ثرى ارض بعناه و على عصارة ذهن هجرناها عنوة لتزيد في رخائهم و هم لها طالبين بأثمان فبعناها بأثمان زهيدة رخيصة دراهم إقامة و حسن جوار إلى يوم انتهاء العهدة ..
فهذه عصارة أحسنا تجفيفها من ينابيعها فطوبى لمن كسب منها فوائد جناها منها.. و تعسا لمن كان سببا في غورها .. فالعصارات لا تكون دوما بل تأتي لأزمان و تبارح لأخرى مواقعها لأنها هكذا في تداولها.. فمتى ننصت لوحي ربي القائل فينا .. و تلك الأيام نداولها بين الناس .....
الكاتب / عبد العزيز الأعلى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق